ابن ميثم البحراني

193

شرح نهج البلاغة

ما من فعل محمود أو مذموم أو ذكر حسن أو قبيح ويحيى له بين الناس يموت منه ما كان معروفا به قبله من الآثار وينسى ، وكذلك لا يتجدّد له جديد من زيادات بدنه ونقصانه وأوقاته إلَّا بعد أن يخلق له جديد بتحلَّل بدنه ومعاقبة شيخوخته بشبابه ومستقبل أوقاته لسالفها ، وكذلك لا تقوم له نابتة إلَّا بعد أن تسقط منه محصودة ، واستعار لفظ النابتة لمن ينشأ من أولاده وأقربائه ، ولفظ المحصودة لمن يموت من آبائه وأهله . ولذلك قال : وقد مضت أصول يعنى الآباء ونحن فروعها . ثمّ استفهم على سبيل التعجّب عن بقاء الفرع بعد ذهاب أصله . وقد صرّح أبو العتاهيّة بهذا المعنى حيث قال : كلّ حياة إلى ممات * وكلّ ذي جدّة يحول كيف بقاء الفروع يوما * وذوّب قبلها الأصول منها : ومَا أُحْدِثَتْ بِدْعَةٌ إِلَّا تُرِكَ بِهَا سُنَّةٌ - فَاتَّقُوا الْبِدَعَ والْزَمُوا الْمَهْيَعَ - إِنَّ عَوَازِمَ الأُمُورِ أَفْضَلُهَا - وإِنَّ مُحْدَثَاتِهَا شِرَارُهَا أقول : المهيع . الطريق الواسع . والعوازم : جمع عوزم وهي العجوز المسنّة . والمراد بالبدعة كلّ ما أحدث ممّا لم يكن على عهد الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم . وقد اشتمل هذا الفصل على وجه ترك البدعة ، وبرهان استلزام إحداث البدعة لترك السنّة أنّ عدم إحداث البدع سنّته لقوله صلى اللَّه عليه وآله وسلم : كلّ بدعة حرام . فكان إحداثها مستلزما لترك تلك السنّة . ثمّ على أمرهم بتقوى البدع : أي خشية عواقبها . ثمّ بلزوم الطريق الواضح ، وهي سبيل اللَّه وشريعته ، وأراد بعوازم الأمور : إمّا قديمها وهو ما كان عليه عهد النبوّة . وإمّا جوازمها وهي المقطوع بها دون المحدثات منها الَّتي هي محلّ الشبهة والشكّ . ويرجّح الأوّل المقابلة بمحدثاتها . وجهة وصفها بكونها شرارا كونها محلّ الشبهة وخارجة عن قانون الشريعة فكانت مستلزمة للهرج والمرج وأنواع الشرور . وباللَّه التوفيق .